استعراض المال!

07:43 05-10-2020

 

زياد غصن

 قبل حوالي عقدين من الزمن، ومع بدايات عملي في صحيفة تشرين، توجهت في صباح يوم شتوي بارد إلى منطقة الحريقة، وسط العاصمة، لمقابلة أحد أشهر تجار دمشق... آنذاك كانت العلاقة بين وسائل الإعلام المحلية والوسط الاقتصادي الخاص يشوبها الحذر... وتفرضها الضرورة فقط. وصلت في الموعد المتفق عليه، لأجد الرجل يهم للبدء بتناول فطوره الصباحي، والذي كان عبارة فقط عن صحن كرتون مليء باللبنة المزينة بالنعنع اليابس والزيت مع رغيف خبز لا يزال ساخناً. استحوذ المشهد على مخيلتي طيلة اللقاء، وبدأت أطرح بيني وبين نفسي عشرات الأسئلة بلا إجابة... هل هذا فعلاً هو فطور شخص من أشهر تجار دمشق؟ "ربما يكون بخيلاً" قلت في نفسي... لكن على نفسه أيضاً؟ لاحقاً عرفت أن خلفية تلك الحادثة أعمق من مجرد الأسئلة التي راودتني، فالتاجر الذي قابلته ورث مهنته أباً عن جد، ويده ممدودة للخير، ومساعدة الجمعيات الخيرية والأسر المحتاجة أكثر من أي تاجر آخر... نعم... لا يحب أبناء الطبقة البرجوازية التقليدية مظاهر الاستعراض المالي والبذخ، وسنوات ما قبل الحرب تشهد على ذلك... فهؤلاء لم يبنوا قصوراً وفللاً مترامية الأطراف... ولم يتباروا في شراء أحدث موديلات السيارات الغربية... ولم يقيموا حفلات ماجنة وباذخة بمناسبة وبلا مناسبة... كان جلّ همهم توسيع أعمالهم، المحافظة على سمعتهم التي ورثوها، والنهوض بمسؤولياتهم الاجتماعية بعيداً عن الإعلام والتصفيق... لا أقول إنهم جميعاً كانوا من فئة المواطنين الصالحين، لكنهم على الأقل لم يكونوا في تصرفاتهم وسلوكهم كالأثرياء الجدد، الذين يظهرون فجأة في كل مرحلة، ويتفننون في البذخ واستعراض ثرواتهم.... تماماً كما هو حال أثرياء الحرب وتجارها اليوم، الذين وعوضاً عن حرصهم على طلب "السترة" لفضائحهم في نهب مال الدولة والمواطن، يمعنون في استعراضهم المالي، فتراهم يغدقون الصرف على شراء العقارات والسيارات والذهب وإقامة أو حضور الحفلات....إلخ. وهذه أوجه إنفاق لها سلبياتها الكثيرة على النشاط الإنتاجي، سعر الصرف، زيادة الخلل الاجتماعي، وإشاعة سلوكيات وثقافات استهلاكية ليست البلاد بحاجتها في هذه المرحلة... وتالياً فالبذخ والإنفاق الاستهلاكي الشديد ليسا دوماً حرية شخصية.... فكيف إذا كان المال منهوباً من ثروات البلاد وجيوب المواطنين؟ بكلمات موجزة.... عندما يكثر الاستعراض المالي في مرحلة ما، علينا أن نعرف أن حجم المال المنهوب بات كبيراً، إذ ليس هناك مال يُجمع بالعمل الشريف وتحت سقف القانون، ويُهدر بهذا الشكل الذي نسمعه ونقرأه اليوم...!

الأخبار العاجلة